حرب 15 أبريل.. الدعم السريع.. ميثاق تأسيس.. المحاسبة..
فاوض الزعيم الراحل جون قرنق دي مبيور نظام الجبهة الإسلامية منذ العام 1997 وحتى العام 2005 تاريخ توقيع إتفاقية نيفاشا وطوال تلك المدة كان جيش الحركة الإسلامية يرتكب الجرائم والإبادات ضد شعب جنوب السودان في ظل غياب لأي تغطية إعلامية أو توافر مواقع تواصل إجتماعي كما هي الآن، ومع ذلك إستمر التفاوض حتى تكلل بما تكلل به من إتفاقية وهذه هي السياسة والحرب في أصلها صراع سياسي وعليه يصبح خطاب مناصري الجيش القائم على تبرير إستمرار الحرب وضرورة الحسم العسكري مجرد هطرقة سياسية لعقل نخبوي معتل وفارغ، فأي حرب تلك التي تخلوا من الإنتهاكات ولننظر لجيش سوريا المؤسسة ماذا فعل بشعبه فقد أبادهم بالكيميائي وأغتصب نساءهم ونكل بالمواطنين لأتفه الأسباب (وهو بلاي الأدخل سلاح الإغتصاب وجعل منه وظيفة عامة منو؟)، لذلك في تقديري نحتاج للتعامل مع الدعم السريع بموضوعية وقراءة تاريخية عقلانية بعيدة عن العاطفة وخطاب الكراهية التحريضي الذي يعتمد على بعض اليساريين الطفوليين وأبواق وسلطة إعلام الجبهة الإسلامية.
الدعم السريع مليشيا عسكرية كونتها الحركة الإسلامية وجيشها مطورة لمليشيا الدفاع الشعبي وحرس الحدود لتقوم بدور الجندي الخفي منفذ الجرائم في حربها القذرة ضد الشعب السوداني في دارفور، والدعم السريع مكون من عمق ذلك المجتمع الدارفوري المحلي، إستغلت إستخبارات جيش الحركة الإسلامية الخلافات التاريخية وصراعات الموارد التي تقع بشكل طبيعي في ظل غياب أي مظهر من مظاهر الدولة سوى بقايا الإدارات الأهلية الفاسدة التي هي في الأساس صنيعة المستعمر كما الجيش الذي أضحى مليشيا تابعة للحركة الإسلامية، إستغلت الحركة الإسلامية تلك المكونات التي جزء كبير منها رُحل يمتهنون الرعي في الوقت الذي كانت الصراعات حول المراعي والموارد بسبب تغيرات الجفاف والتصحر أخذت طابع صراع الهوية كما قد أشار د. محمد سليمان محمد في سفره المميز "السودان حروب الموارد والهوية"(1) والذي أجرى عبره عمليات بحث علمي ودراسة عميقة لأسباب وخلفيات الصراعات والحروب في السودان على مر تاريخه، بدأت تتشكل نتاج تلك الصراعات التي سبق ذكرها – ويجدها القارئ إذا أراد مفصلة في الكتاب - عداءات بين المجتمعات المحلية أستغلتها الحركة الإسلامية وإستخبارات جيشها لتستخدم المكونات ذات الخلفية العربية والمرتبطة بالرعي ضد أهلهم وجيرانهم من قبائل الفور كأدوات حرب حيث قامت بتنظيمهم في مليشيات لم يكن الدعم السريع أولها ولا هو أخرها، قامت بتدريبهم على أساس الفتك بمجتمع الفور في دارفور وأبادتهم وإحلال مجتمعات أخرى في إطار الهوس العروب إسلامي الذي ظلوا يتبنونه بقصد وخبث في إطار مشروعهم الحضاري المزعوم، وهنا تجدرني الإشارة والتحية للشهيد القائد العميد (حرس حدود) حافظ داؤود رجل السلام والحكمة وهو من أوائل قادة تلك الملايش التي تكونت تحت رأية الدفاع الشعبي في بادئ الأمر، والذي إكتشف مبكراً بذكاءه وفطنته خبث مخطط الإنقاذ وإسلامييها الهادف لزرع الفتنة بينهم كمكونات محلية للوصول لأهداف دولة الإسلام السياسي الإجرامية وإعادة صياغة المجتمعات المحلية على ضوء مشروعهم الإقصائي الشمولي ذا النظرة الأحادية فوقع وثيقة سلام سرية مع حركة جيش تحرير السودان في العام 2005 والتي ظل ملتزماً بها حتى تاريخ إغتياله في 30 مايو 2023م عند مدخل حامية كتم وهو عائد من مهمة كلفتها به قيادة الحامية وهي إستعادة سلاحان يعودان لإثنين من جنود الحامية...، إرتكب نظام الحركة الإسلامية عبرهم جرائم إبادة وجرائم حرب هزت العالم وتحرك ضدها مجتمع الأمم المتحدة حتى أضحى رئيس النظام مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية تلك الجرائم، حرصت بقدر ما إستطاعت الحركة الإسلامية أن تظل قوات الدعم السريع وما سبقتها من تنظيمات مسلحة تحت سيطرتها ولكن ظروف الصراع الداخلي بين مكوناتها وإفرازات الراهن الدولي المتداخلة محلياً وقتها والمتمثل في مشاركة نظام الحركة الإسلامية في حرب اليمن ضمن تحالف عاصفة الحزم كمرتزقة تحارب شعب دولة لها سيادتها وهو الوضع الذي ما زال مستمراً حتى اليوم رغم أن القوات المشاركة تضم عناصر من الجيش والدعم السريع، إذا لا تأتي بفعل وتنهى عن مثله فالعار أحد الصفات التي لازمت سلوك الحركة الإسلامية طوال تاريخها، وها هنا تنبيه لمن صدعوا رأسنا بحديث المرتزقة وما أدراك ما المرتزقة، فبالله عليكم هل هناك أي حرب اليوم تقوم بمعزل عن التدخلات وعمليات الإرتزاق.
هذا مدخل لقراءة ضرورية لماهية الدعم السريع ومن أين أتى وكيف تكون وتطور وإكتسب علاقات دولية ممتدة، خاصة وأن في هذه الحرب التي يدعي المجتمع وصفوته أن الدعم السريع يمارس سلوك منافي لطبيعة السودانيين فهذا تعامي ومحاولة لإنكار الحقائق، فالمجتمع الذي يغذي سلوكه الخطاب التحريضي الحاض على الكراهية لا يقل سوءاً وإجراماً عن الدعم السريع وهو ذات المجتمع الذي ينتمي له الدعم السريع والذي يتجاهل جرائم الجنجويد الأصليين مكوني الجنجويد الصغار من العدم لأنها على الأقل لا تمسهم وتمس الآخر المصنف متعاون أو متصالح مع الدعم السريع، هذا المجتمع إذا نظرت إلى سلوكه وسلوك مليشيا الدعم السريع ستجد أنه سلوك متطابق يمثل وجهين لعملة واحدة قضى الإنحطاط وعدم الشرف على قيمتها تماماً، ولهؤلاء نقول هل كانت الثورة المهدية بكل سوءاتها وجرائمها مستجلبة من دول عرب الشتات أم مكونها سوداني!؟ أتت الثورة المهدية لتجد تعداد السكان في السودان حوالي 7,000,000 نسمة وعندما رحلت دولتها كان عدد السودانيين قد إنخفض ليصل ما بين 2,000,000 إلى 3,000,000 نسمة(2) وإذا أتينا لطرح عدد السكان قبل المهدية من عدد السكان في حدهم الأعلى بعد المهدية نجد أن النتيجة تعكس إنخفاض بواقع يفوق نسبة 233%، غالبية تلك التكلفة الباهظة كانت نتاج صراعات داخلية وقليل منها نتاج تطلعات نظام الدراويش وإمامهم المحتال المجرم عبدالله التعايشي، إذا دعونا من إدعاء الطهرانية الزائف فهذا تاريخكم يحدث!.
نأتي بعدها لصلب موضوعنا الخاص بالحلول التي أعتقد أن من خلالها يمكن معالجة واقع المشهد والراهن السياسي الآني، والمتمثل في وجود معسكر تحالف في بورتسودان يضم بشكل رئيسي عدد كبير من الإسلاميين من تنظيمات الحركة الإسلامية ونظامها الفاشي المسيطر على منظومات الإفساد في بقايا دولتهم السودانية وهم كانوا وما زالوا يسهمون في إنتاج الملايش وتأزيم الأوضاع على جميع المستويات وأخطرها تبني هذا المعسكر لتوجهات عنصرية وخطاب للكراهية بمساعدة ملايش جديدة وقديمة متجددة ومجموعة من الحركات المسلحة المرتزقة التي شاركت في الإرتزاق في ليبيا وفضحتها تجربة سلام جوبا المعلول وأثبتت أنها تسعى للسلطة والمال ليس إلا، تقف تلك الحركات صامتة في ظل جرائم الجيش التي تمثل تهيئة لجو الإبادات الجماعية والحروب الأهلية والذي يشن هجماته على أساس عرقي وقبلي.
في الجهة المقابلة لدينا مليشيا إجرامية كونها هذا الجيش المؤدلج على نفس النمط والأسلوب الذي تحارب به الآن وقتها إرتكب عبرها جرائم ضد الإنسانية وإبادات عديدة وكل الموبقات الأخرى للدرجة التي أجبرت العالم والأمم المتحدة للتدخل وتصعيد الأمر بتحويله لمحكمة الجنايات الدولية التي بدأت تحقيقاتها التي أثبتت إرتكاب النظام وجيشه وملايشه لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادات على أسس عرقية.
مليشيا الدعم السريع سعت وظلت تستجيب لجميع المبادرات والدعوات الداعية للتفاوض والوصول لحل سلمي ينهي الصراع أو على أقل تقدير يوقف إطلاق النار حفاظاً على ما تبقى من أرواح وممتلكات ومكتسبات عامة، تعامل تحالف بورتسودان مع هذه الدعوات ببرغماتية عالية وشارك في جولاتها الأولى في جدة والمنامة في الوقت الذي قررت فيه القوى التي أشعلت الحرب وتقف بقوة وراءها والتي بيتت النية لأن تستمر الحرب وما كانت تلك الخطوات إلا محاولات للمراوغة وفي سبيل شراء الوقت لمعالجة أوضاع ضعفها وعوزها للسلاح النوعي إضافة لتبنيها إستراتيجية دفاع طويلة المدى حولتها بعد إختزال قواها وتوفيرها فقط للدفاع عن مقارها مما قلل من خسائرها نسبياً في الوقت الذي تكون فيه القوات المهاجمة منهكة على الدوام وهذه إستراتيجية دفع ثمنها المواطن في الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وكردفان ودارفور ولولا التغطية الإعلامية والأخلاقية التضليلية التي وفرها من يعرفوا بـ"البلابسة" وهم دعاة الحرب ودعاة إستمرارها حتى القضاء على الدعم السريع حسب تصوراتهم المحدودة والعديمة التعقل والتفكر والمليئة بقيم الجاهلية والإنتقام والتشفي لما كنا وصلنا لكل هذا الخراب وتلك التكلفة العالية للغاية - ويسأل منها دعاة الحرب بلا شك - ليأتي جيش الكيزان العاهر ويطبق على رقابنا من جديد بعد أن سوق لنفسه بمنطق "أيه اللي جبرك على المر، قال الأمر منه" و"الإنقاذ والكيزان أفضل السيئيين وفي دولتهم كان الأمن متوفر والحياة تسير وجزء من كرامة المواطنين محفوظة" وهو خطاب عنصري بغيض في حد ذاته لأن هذا الأمن النسبي لم يكن متوفراً في دارفور ولا في كثير من بقاع الوطن وذلك الواقع الذي يتخيل قاصري النظر أنه واقع مقبول هو الذي أورثنا ما نعايشه اليوم من فوضى وعبثية ودمار شامل.
بعد شهور من الحرب وبعد أن أستبنت وتأكد لي أن الحركة الإسلامية هي مشعلة الحرب وهي التي تقف بقوة وراء إستمرارها للقضاء على الأقل على بنية الثورة التي بلغت قوة لا يستهان بها وعلى الأكثر إستعادة حكمهم بالكامل، بعد ذلك وعندما علت الدعاوي من البعض بضرورة الحوار مع تيارات الحركة الإسلامية في معسكر الجيش أقترحت حينها أن الأفضل والأجدى الحوار مع الدعم السريع والوصول معه لتسوية تضمن خروجه مع العمل السياسي والعسكري بعد هزيمة أو على الأقل إضعاف جيش الحركة الإسلامية تمهيداً لبناء الدولة السودانية المنشودة التي تقوم على المؤسسات القومية المستقلة القوية والفاعلة مقابل صفقة ما، وذلك مرده لإعتقادي أن التيار أو المجموعة تمثل عصب قيادة الحركة الإسلامية والموجودة على رأس قيادة معسكر جيشها لا قيمة للوصول معها لتسوية وإذا أردنا التأكد من ذلك لننظر لتاريخهم الطويل من المراوغة وعدم الإلتزام ونقض المواثيق الدائم طوال الـ 35 عاماً السابقة والتي أخرها الوثيقة الدستورية للعام 2019 التي مهما أختلفنا في النظر إليها لا يمكننا أن نغفل أنها كانت تسوية بين قحت وطرف آخر ممثل لدولة الحركة الإسلامية، ذلك غير جرائم نظام الحركة الإسلامية التي لا تغتفر والتي تستوجب المحاسبة، ولو قارنا بين جرائم الدعم السريع وجرائم نظام الحركة الإسلامية لوجدنا الفرق، هذا إذا غضضنا الطرف عن أن الدعم السريع بكل جرائمه ليس سوى إحدى جرائم الحركة المسيلمية، لكل ذلك في تقديري أنه لا مناص من دعم تحالف "تأسيس" وضرورة تشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع وحلفائها من الحركة الشعبية لتحرير السودان والحركات المسلحة الأخرى وهذه هي الفرصة الأفضل للإنقضاض على الحركة الإسلامية وتجريدها من نفوذها القائم على إحتكار وإستغلال أطلال منظومات الدولة التي يسيطرون عليها لصالح مشروع الحرب الذي سيعيدهم بعد إعادة التلميع الذي في حقيقته هو تضليل مؤسس ومنظم يدعمه عن جهل وعصبية بعض اليساريين الطفوليين عديمي المنطق.
أما في ما يخص المحاسبة فقد ظل صديقنا د. عزام على الدوام يثير هذه النقطة في برنامجه المعتبر "مع عزام" ومن قبل على منصة الكلوب هاوس داعياً لتخطيها او على الأقل حصرها على الرؤوس الكبيرة وهي رؤية خاصة به تحترم ولكن أنا أختلف معها إختلافاً موضوعياً وجذرياً والسبب في ذلك أنني أرى أن ما ظلت تعانية الدولة السودانية طوال تاريخها من نكسات أحد الأسباب الرئيسية وراءها هو غياب مبدأ المحاسبة والتاريخ الطويل للإفلات من العقاب، والأمر ليس كما يعتقد عزيزنا عزام بأن الهدف منه التشفي والإنتقام وإن كان ذلك مشروعاً بالقانون السماوي والإنساني لكل ضحايا جرائم النظام. أما فيما يخص تأثيرات غياب مبدأ المحاسبة على نكسات الدولة السودانية فهو يطرح سؤال جوهري هو من ذا الذي حوسب بعد أي تغيير حدث في السودان؟، ففي ثورة أكتوبر 1964 وُهب عبود وأركان نظامه العفو عند المقدرة، وفي أبريل 1985 حوكمت قيادات النظام بإستثناء رأسه نميري الذي لم يعد للبلاد من رحلته العلاجية لأمريكا وطاب به المقام في مصر ليأتي نظام الإنقاذ ساخراً من حكم القانون -بعد أن سخر من كل شئ في الدولة السودانية - ويمنحهم العفو ويخرجهم من السجون ويستقبل نميري كبطل قومي ليشارك في مسرحية إنتخابية هزيلة ومفضوحة ويخرج منها يجر أزيال الخيبة بعد أن "تمت به الإنقاذ شغل"، أما في ديسمبر 2019 فقد أهدرت القوى التي تسلقت ظهر قيادة الثورة مبادئ المحاسبة وجعلتها عرضة للترضيات الحزبية "وزولي وزولك" ونذكر هنا ما نقل من رواية عن أن الصادق المهدي عندما أثارت لجنة إزالة التمكين ملف أولاد البرير الذين إستفادوا وأفسدوا مع الإنقاذ يروي لنا الراوي أن السيد الإمام قد ركب إحدى سيارته الفارهة وإنطلق نحو مقر اللجنة ووبخهم حامياً نسابته من أسرة زوج إبنته، هذا فقط مثال واحد وهلم جرا كما يقول ذات الإمام، الدافع الثاني في تقديري لإهدار المحاسبة هو أن جزء مؤثر من تحالف قحت كان متسامحاً مع كل جرائم الإنقاذ وإعتلائه سنام قيادة الثورة كان بالنسبة له فرصة لإستبدال تمكين الإسلاميين بتمكين أحزابهم والمقربين منهم وأحد الأمثلة هنا "أردل" الذي تسنم منصب نائب المدير العام للشركة السودانية للمعادن ومن ثم المدير العام دون أدنى تأهيل أو كفاءة إدارية أو فنية كل ما في الأمر حسب ما سمعنا هو أن حزب الإمام "الأمة" هو الذي قام بتزكيته فقد كان في ذلك الوقت مقرب منهم وعبر نفوذهم تم تعيينه، وما خفي أعظم. على كل أنا مع المحاسبة التي تضع حداً لهذا التاريخ الطويل من العبث والذي أوردنا ما أوردنا له اليوم من بؤس وإحتراب، وأعتقد أننا إذا إكتفينا فقط حسب رأي عزيزنا عزام ببناء الدولة ومؤسسات إنفاذ القانون دون إجراء محاسبة شاملة تشمل كل القضايا التي لا تسقط بالتقادم فسيكون هناك ركن أساسي من أركان الدولة معطوب وسيقود لا محالة لهدم جديد لبقية أركان الدولة ولذلك مختصين هم الأجدر بسماع رأيهم.
محمد عمر محمدالخير
الثالث من مارس 2025م
مراجع
(1) كتاب السودان حروب الموارد والهوية لـ د. محمد سليمان محمد
(2) ويكيبيديا
https://ar.wikipedia.org/.../%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9...


تعليقات
إرسال تعليق